حينما تتلعثم أمة باكملها

كنت منذ اليوم الذي ولدت فيه ابنتي الكبرى منذ 30 عاما ابحث عن نظام تعليم يتوائم مع احتياجاتها ومن بعدها اخوتها ولا زلت. وطبعا في التسعينات في ارض الوطن كنت أقرأ ( قبل حركة الترجمة ) باللغة الانجليزية في مشاكل التعليم الامريكي والمشكلات التي يواجهها الطلبة والحلول المقترحة والتي كان احدها التعليم بالمنزل. وتوصلت الى تلك القناعة وطبقت ذلك لعدد من السنوات. وانا اليوم بصدد الرجوع بذاكرتي الى وقت كان احد ابنائي يعاني من الخوف من التحدث امام الفصل او المعلم والتلعثم اثناء القراءة. طبعا لم اترك كتابا يمكن استيراده من الولايات المتحدة لدعم الوالدين في علاج هذه المشكلة الا طلبته وقرأته بنهم عدة مرات لعلي اجد غايتي.

في المدارس كان الوضع مزريا، فالطفل المتلعثم يصرخ فيه ويزداد تلعثما او يطلب منه الجلوس قبل ان يبدأ بالكلام ويحرم من علامة المشاركة حكما عليه من قبل المعلم انه لم يحفظ او لا يعرف الاجابة. ترسل ملاحظات اسبوعية بضرورة الاهتمام بالحفظ والتسميع للدروس للحفاظ على العلامة الشفهية للمشاركة، ضغوط نفسية للطفل المسكين وضغوط على الابوين او الام بالذات والتي عادة ما تواجه ذلك وحدها لانكار الاب لوجود المشكلة وانكار الاهل لاهميتها. بل وتعزى المشكلة للام فلو كانت اكثر اجتماعية وخروجا بابنائها لما انطووا على انفسهم وانسحبوا من المشاركة في الفصل وتكوين الاصدقاء. او الاتهام في صميم التعليم المنزلي الذي تبنيته  فترة من الزمن وياليتني استمريت عليه وجنبت ابنائي المعاناة المستديمة. او الاتهام باني ام قاسية او صارمة ولذا يعاني ابنائي من صعوبات النطق، بل ووصل الاتهام الى تحفيظهم القرآن فكان هذا هو سبب معاناتهم وصعوبة نطقهم لاني كنت اهتم بتحفيظهم القرآن. وفي غياب الشبكات الاجتماعية التي تدعم الأباء والامهات في مثل هذه المشكلات الطبيعية في الطفولة، وفي غياب الدعم المدرسي للاطفال الذين يواجهون صعوبات في المواجهة الاجتماعية للموقف (والتي يعاني منها طلبة ماجستير ودكتوراه والكثيرمن الناس)، تتفاقم المشكلة وتتحول من مجرد مرحلة عابرة طبيعية كما هو في معظم الكتب التي قرأتها الى مشكلة نفسية متراكبة من خوف الطفل من الحكم عليه من قبل المجموعة والمدرس ( وطبعا من سيرد الاطفال الذين يهزؤن به في الفسحة وبين الحصص) ومن قبل الام التي يظهر قلقها وهي تسآل الطفل ( لماذا ياحبيبي لا ترفع صوتك وتشارك) ومن قبل الاسرة التي تتحدث امامه بصوت مرتفع ( الولد مضغوط وانتي عاملة عليه ضغط) ومن قبل الاب الذي يطلب منه حل المشكلة ببساطة بامر ( ياولدي خليك شجاع وجاوب على السؤال ولا تخجل) وكلها تعزز المشكلة

ثم تعينت مدرسة للغة الانجليزية في المرحلة الابتدائية في احد المدارس الاهلية، واكتشفت ان ابنائي ليسوا الوحيدين، فهناك عدد كبير من المنسحبين ومن الصامتين، وطبقت استراتيجيات التعليم التعاوني في مجموعات صغيرة وتعيين قائد (كثيرا ما يكون الصامت) للتأكد من مشاركة كل طفل في المجموعة واعطاء وقت كافي لكل طفل بالمشاركة ولو بالكتابة او الابتسامة وذهلت لبساطة الموضوع. فالعلاج طوال الوقت كان بادراك الفروق الفردية في الفصل بين شخصيات الاطفال ونفسياتهم المختلفة وتفهم مشاعرهم وحساسيتهم المفرطة واكتشفت قسوة المدرس الغير مؤهل للتدريس وخاصة ممن لا يحملون الدبلوم التربوي ويخرجون لتجربة وتطبيق نتاج التشويهات النفسية التي تعرضوا لها في طفولتهم على ابنائي والعبث بنفسياتهم، واكتشفت ان الخطأ ليس عندي وليس في تركيبة ابنائي وانما في طرق الدريس والتعامل مع مشكلات الطفولة

وبعد انتقالي لبريطانيا وتجربة عدد من المدارس مع نفس الابناء وانطلاقهم ومشاركتهم باللغة الانجليزية وبطلاقة اكتشفت ان ابنائي اطفال عاديين بل متميزين جدا وحتى المتلعثم منهم يمر بتلك المرحلة بشكل مؤقت ويتلقي من الدعم من النظام الصحي بارسال من يختبر بيئته لتشخيص المشكلة في البيت بزيارات منتظمة وبوضع استراتيجيات مشتركة للتعاون بين البيت والمدرسة وتختفي المشكلة بنفسها. والذي دعاني للكتابة في هذا الموضوع اليوم هو هذا الفيديو الذي وصلني على الواتس اب

https://t.co/iyKkROnt33

وبعد المشاهدة وجدت دموعي اغرقتني ولم املك الا ان اكتب لكم تجربتي والتي لا تصل الى مثل تلك الصعوبة ولكني تأثرت جدا لاني كنت اما صغيرة في اول العشرينات ولم اكن اعرف كيف احل مشكلتي او اساعد ابنائي، وتمنيت ان انتشل كل ام معاناتها وكل طفل من المه النفسي. تمنيت لو يصل صوتي للمسؤولين ليوجدوا حلا لتلك الاعتداءات النفسية على الاطفال الحساسين ويوقفوا تلك الحوادث التي يتولد عنها اعاقات مستديمة في امتنا التي تعاني. الم يئن الوقت لضبط جودة التعليم وفحص نفسية المعلم؟ يا ترى من هو المعلم الذي سلب ابني صوته؟ ومن هو المدير الدي ادخل الرعب في قلبه؟ ومسؤولية من تلك المآسي؟

وأخيرا يتوجب علي ان اختم بهذه التجربة الشخصية في النظام التعليمي البريطاني: لي ابنة صغرى هي آخر العنقود وهي منذ ان دخلت الحضانة تحجم عن التحدث بالانجليزية وكانت تتحدث فقط بالايماء بالموافقة او الرفض. طبعا يظهر لكم الفرق في السطور التالية في كيفية تعامل المدارس مع المشكلة. علما باني اتحدث معها واخوتها بالعربية في البيت اصرارا مني انها لغتها الام وانها ستتعلم الانجليزية لاحقا وبشكل طبيعي بدون تدخل مني

طوال الثلاث السنوات الاولى لرياض الاطفال كانت المدرسة تطمئني بان استراتيجيتي عادية وان البنت لا خوف عليها، وبكل لطف كانت المعلمة تنظر في عينيها وتسالها وابنتي تومئ برأسها. وطلب مني الا اضع اي نوع من الضغط او التساؤل حول الموضوع خارج المدرسة. بل اظهر الثقة بانها ستتحدث. كنت فقط اقرأ لها القصص باللغة الانجليزية

ثم ارادت المعلمة تقييم مستوى القراءة للكلمات لديها فلم تتمكن سوى ان تسألها بالبطاقات وابنتي تشير الى الاجابة الصحيحة. فما كان من المدرسة الا ان اتفقوا ( الجميع من مدرسات واداريات الى المديرة ) على استراتيجية لغة الشفاه بحيث شجعوها بالتحبيب والمكافأة على النطق بدون صوت وقراءة الشفاه واعتبروا كل كلمة تقولها انجازا رائعا. قاموا ايضا بالاجتماع بباقي الصف على انفراد وتنبيه باقي الاطفال على التعليق الايجابي فقط بحيث اذا تحدثت ابنتي مع اي منهم بصوت يفرح الطفل ويبتسم لها. واذا لم تجاوب او تتحدث لا يصدر اي تعليق سلبي. كنت طوال الترم الماضي الاحظ موظفة الاستقبال وكل من يقابل ابنتي في الصباح الباكر حين توصيلي اياها يفتح فمه ( بصباح الخير ) بوضوح وينحني بقامته الى مستواها اذا اراد ان يسالها سؤال ؟

واخيرا اتيحت لي الفرصة ضمن مجموعة من الآباء لزيارة الفصل صباحا قبل موعد السباحة للمشي للمسبح والاشراف على الطلبة كمساهمة تطوعية. ولاول مرة في حياتي اشاهد فصلا مكونا من ٢٣ طالب منضبطا وهادئا في فترة التعليمات التي تسبق المشي للمسبح، فالمدرسة تستخدم لغة الاشارة بيدها ووجهها وبصوت منخفض وتعابير وجه هادئة جدا وبدون اي جهد ويستجيب الجميع وكأن على رؤوسهم الطير وكلما ارتفع الصوت رفعت يدها وتحدثت بصوت لا اكاد اسمع ما تقول واذا بالجميع يهدؤن ويعودون للنقاش بشكل يفوق ادب البالغين في مقاعد الدراسة الجامعية

ثم توجهت المعلمة لابنتي بسؤال فاذا بها ترفع يدها ( ولم اسمع صوتا) ولكن سمعت تآييد المعلمة للاجابة فعرفت انها همست وان المعلمة قرأت لغة الشفاه فزاد اعجابي. وانا اكتب لكم اليوم وابنتي تتحدث مع اخوتها بالعربي والانجليزي بطلاقة وبصوت مرتفع، وتقف امام صفها في المدراس الامريكية تلقي الكلمات وتسال وتناقش، فالمسألة مسألة ثقة بالنفس تبنى مع تأييد وتشجيع وليس اهانة وتحطيم، ثم سالتها يوما حول مشاعرها فقالت لا احب الالقاء عموما ولكني افعله عندما يطلب مني. ابنتي اليوم في 14 عشرة من عمرها وقد مرت بافضل تحارب تعليمية في حياتها وانضمت لبرنامج الموهوبين ومتفوقة في الكثير من المواد وهي تتعلم اللغة اللاتينية الان في المدرسة لانها تريد ان تفهم جذر كل الكلمات في كل اللغات، واليوم قامت بترجمة شهادة تخرج اخوها الطبيب باللغة اللاتينية (على قد ما تقدر). الهدف ان تترك الطفل ليشق طريقة بلا خوف ولا تردد وبلا توبيخ ولا ضغط

2 comments

  1. نعم هذه تحديات وصعوبات في بداية تعليم الابناء لغة غير لغتهم الأصلية ولكن من تجربتنا عندما مبتعثين في أستراليا وعند إلحاق أبنائنا للمدرسة فقد ساعدت المدرسة خروج الابناء من هده المرحلة وبمساعدة الوالدين في فترة ليست بالطويلة جدا

    1. صحيح ولكن لو لاحظت أن تجربتي الشخصية قبل الابتعاث لم تكن مرضية أيضا فقد واجه اثنين من أبنائي مشاكل نطق وخوف من التحدث لم تكن مرضية بسبب ضغط المعلم على الطفل ان يقف ويجيب السؤال والطفل اصلا لايحب ان يقف ويتحدث أمام الجميع لأن شخصيته انطوائية كما علمت لاحقا بعد اجراء تحليل الشخصيات حسب ماير برجز، فاتضح لي ان البيئة المدرسية عرقلت الثقة وولدت الخوف بدلا من التغلب على المشكلة ولدى ثلاثة آخرين من الابناء لم يواجهوا هذه المشكلة ابدا حيث ان كلاهما منطلق واجتماعي بطبيعته. وأما الاخيرة فولدت في لندن وهي انطوائية ولكن بمساعدة المدرسة وتقنيات التعامل مع الاطفال الانطوائيين تغلبت على ضغط الموقف الاجتماعي بل وتفوقت ولو اني عدت بها لمدارسنا لواجهت ضغط شديد وهذا كان مقصدي ابراز الفرق بين التعليم في مدارسنا في المملكة واسلوبه واثره على الاطفال واعجابي الشديد بما يفعلونه في مدارس الغرب من دعم الطفل المتلعثم او الانطوائي فابنتي الاخيرة ليست متلعثمة ابدا وكذا أحد الانباء بل هما انطوائيان فقط كل مافي الامر. وشكرا على المشاركة والتفاعل ولك مني فائق الاحترام

اترك تعليقاً

Shopping cart

0

No products in the cart.