مصطلحات التوجيه (الكوتشنج) تحت منظار الفحص

سمعت اليوم في حديث اذاعي على التلفاز احد المختصين في ذكاء المشاعر (الذكاء العاطفي) يتحدث عن مجموعة من المهارات المتعلقة بهذا الموضوع. وتعتبر المصطلحات المستخدمة والمتداولة حديثةً على لغتنا اليومية ويعبر البعض عن نفس الشيء بانواع مختلفة من المصطلحات. فهناك (المصالحة مع الذات) او (الانسجام) والاخيرة اقوى. وهناك (مكافأة الذات) او (التربيت على نفسك) او (اعطاء نفسك حقها). وهناك ( تقبل الذات) و (الثقة بالذات) و (حب الذات) و (دلع نفسك). نعم أنت فوق كل شيء

والعجيب في هذا وذاك أن الكثير ممن يتحدث لا يقرأ الأبحاث الاساسية في الموضوع من مصادرها في أوراق النشر العلمية في مكتبات الجامعات وبواباتها الإلكترونية. ويضع ثقله كله مؤكدا ضرورة هذا وذاك في ميزان الحياة الصحية نفسيا ومعنويا.

ليس هذا فقط، ولكن الكثير من هذه المصطلحات قد لا تعبّر عن حقيقة المعنى المقصود في الابحاث والكتب الانجليزية. وهذا يهدد تلك العلوم المؤصلة في ثقافتها، عندما يتم استيرادها إلى ثقافتنا العربية بدون ترجمة قوية تسمح لنقل المعنى صافيا وبعيدا عن التفسيرات المتعددة المشوهة.

سأضرب مثالا هنا
اختلف مختصوا التربية في موضوع المكافأة كما اختلف فيه باحثوا القيادة. فبين سياسة العصا والجزرة المعلقة بها وبين سياسة التحرك الذاتي نحو الغاية والأهداف تنوعت المقالات والدراسات الأكاديمية في مجال التربية والتعليم وفي مجال التحفيز الاداري.

وفي اللحظة التي يبدا فيها احد مستشاري التطوير الذاتي بالتحدث، في أي من وسائط الاعلام، حول موضوع (كافيء نفسك) يرتفع لدي كباحثة، علم احمر(على مقالة الامريكان)، وأرى بوضوح سطحية المتحدث، ليس فقط من حيث المصطلح المستخدم، وانما من حيث عمق الطرح. ولكي لا يمضي الموضوع بدون تطبيق في ارض الواقع، وخاصة ان بعضكم لا يقرأ أوراق بحثية او يستطيع ان يصل لحقيقة هذا المعنى لبعده عن فهم اللغة المكتوب فيها، ولكي لا اترككم معلقين، اليكم سؤال بسيط في سياق (المكافأة): عندما تقوم بعمل صالح (في مسمى الدين والمجتمع والثقافة التي تعيش فيها، هل حقا أنت تنتظر المكافأة؟ وهل كل ما تفعله أو تقوم به يسبقه شرط بالمكافأة؟ وهل فكرة كافيء نفسك فكرة صحية؟

هذا جانب واتركك فيه تضع معالمك، فالتعلم ليس مهمتي وانما مهمتك، ومهمتي ان اطرح عليك ما يشككك في قناعاتك حتى اذا قررت انها صحيحة يكون قرارك مبني على برهنة (أفلا يعقلون).
والجانب الآخر يتعلق بالعقوبة والتي هي عكس المكافأة، والسؤال فيه: هل العقوبة ضرورة لينضبط السلوك الشخصي والاجتماعي، ولماذا؟
ولا اريد ان اسمع منك (طبعا) فهذه إجابة مبسطة ولا تحمل عمق، ارحل في طلب العلم

عودة لموضوع (كافيء نفسك). لعل ما يخطر بذهني الان مفهوم (الميزان) والفضل يعود إلى عمي الدكتور سامي العنقاوي هويتحدث دوما حول مفهوم الميزان القرآني ويضرب عليه الأمثلة. وعلاقة هذا المفهوم هنا بموضوع (الذات) يعني وجود مكمل لها وهو (الآخر) وهنا تكتمل منظومة الميزان والتي يصعب مخالفتها بدون عواقب وخيمة حيث انها احد المباديء الاجتماعية. والشرح يطول و لعلي اتناوله في احد حلقات (المنشور المسموع : بودكاست القيادة)، وما يهمني هو في تطبيق مفهوم (الذات) ان ندرك ان التركيز عليه نشأ في ثقافة (انجلوساكسونية/فئة تعيش في أمريكا الشمالية وأجزاء من اوروبا يطلق عليها الان كندا، الولايات المتحدة وبريطانيا) تترعرع فيها الذات على حساب الآخر وتنهار فيها قيم المجموعة أمام الذات، فعلينا ان نكون حريصين في التوجيه (كوتشنج) لحياة من يقصدنا للمساعدة في تحقيق الميزان ومراعاة الثقافة المحلية في ادق تعابيرنا وكلماتنا حيث ان تلك الثقافة (الانجلوساكسونية) تعاني حاليا من جرّاء التركيز على الفرد فقط وبدأ يظهر فيها (ونحن آخر من يعلم لضحالة البحث العلمي في هذا المجال، وحركة الترجمة السطحية الغير احترافية)، بدأ يظهر فيها، العودة إلى الآخر او المجموعة او الكل وان يكون قرار القائد مبني على التعاضد والتكامل وليس فقط التفاضل مع تحقيق الغاية المشتركة.

اترك تعليقاً

Shopping cart

0

No products in the cart.